Stellungnahme

خطبة الجمعة في مسجد الجمعية الإسلامية في إرلنجن بتاريخ 5/5/2005

 

أما بعد:

"ولقد كرمنا بني ءادم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا" الإسراء 70

"فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين" الحجر 29

"والذين لا يدعون مع الله إلها ءاخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما" الفرقان 68

 

عن إبن مسعود قال: قال (ص): "لا يزال العبد في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً" رواه الشيخان

عن عبد الله إبن عمرو إبن العاص ، أن رسول الله (ص) قال: "الكبائر: الإشراك بالله وقتل النفس واليمين الغموس" رواه الشيخان

عن عبد الله إبن عمرو إبن العاص قال: قال (ص): "من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة ، وإن رائحتها لتوجد من مسيرة أربعين عاماً" رواه البخاري والنسائي

 

نشهد منذ عقد علامة من علامات الساعة متمثلة في كثرة الهرج (أي القتل) والمرء يقتل لا يدري فيما قتل ، وهذه الظاهرة التي بدأت في الجزائر واشتدت في العراق وبالأمس القريب طالت أرض الحجاز وتركيا والمغرب ومدريد ولندن وشرم الشيخ ، تستهدف أرواح المدنيين العزل ، من غير جرم إقترفوه، فما سيجيب هؤلاء القتلة ومن وقف خلفهم رب العزة حين يسأل عن كل نفس أزهقت بأي ذنب قتلت؟

 

ولا يجوز لنا أن نعفي أنفسنا من مسئولية إنكار هذا المنكر والسعي لوضع حد له ، من خلال الجري وراء الإشاعات المغرضة التي تنتشر بعد كل إعتداء ، بأن جهات معادية للإسلام ترتكب هذه الجرائم وتلصقها بالمسلمين ، فالثابت من خلال مواقع عديدة علي الإنترنت و من خلال الكثير من الكتابات والأشرطة والمقابلات ، أن هناك مجموعات متطرفة تؤمن بالقتل والترويع والفساد في الأرض ، كوسيلة لتحقيق أهداف سياسية دون أدني إعتبار لبديهيات الإسلام التي ترفض مبدأ "الغاية تبرر الوسيلة" و تحكم على "من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة" فكيف بمن قتل من أعطاه الإمان وكفل له الحرية والحياة الكريمة وأحسن مثواه!!!.

 

وفي بادرة تعبر عن نبض المسلم وعدل وحنيفية الإسلام ، أصدرت مؤخرا عدة مجامع فقهية إسلامية مستقلة ، فتاوى تدين وتجرم هذه الإعتداءات المشينة على الأرواح البريئة ، منها المجمع الفقهي في إسبانيا ومن بعده المجمع الفقهي بالمملكة المتحدة والأسبوع الماضي مجلس الفقه الإسلامي في أمريكا الشمالية ، والذي أصدر فتواه بمساندة أكثر من  120  إمام ومنظمة مسلمة في الولايات المتحدة ، جاء فيها:

الإسلام يدين بشدة الغلوَّ في الدين واستعمال العنف ضد الأبرياء، وليس هنالك من عذر أو تبرير لمن يمارس الإرهاب أو التطرف، كما أن استهداف حياة المدنيين العزَّل وممتلكاتهم عبر العمليات الانتحارية أو أي أسلوب هجوميِّ آخر حرام في الإسلام والذين يقترفون هذه الأعمال مجرمون."

"والقرآن الكريم ينصُّ على أنَّ: "مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ"، (سورة المائدة 32)، وقد بيَّن النبيُّ محمد صلى الله عليه وسلم أنه لا عذر لمن يقترف هذه الأفعال الظالمة فقال: "لا تكونوا إمَّعة، تقولون إن أحسن الناس أحسنّا وأن ظلموا ظلمنا، ولكن وطِّنوا أنفسَكم إن أحسنَ الناسُ أن تحسنوا وإن أساءوا فلا تظلموا "، رواه الترمذي عن حذيفة بن اليمان."

"كما أن الله عز وجل يأمر بالوسطية في الدين وفي كل جوانب الحياة، إذ يقول سبحانه وتعالى: "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا"، (البقرة 143)، وفي آيةٍ أخرى يبيِّن الله واجبات المسلمين نحو الإنسانية حين يقول: "وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ"، (سورة آل عمران 104).

"وفي ضوء هدي الكتاب والسنة نؤكد على ما يلي: (والكلام مازال لمجلس الفقه الإسلامي في أمريكا الشمالية)

1.  "كل الأعمال التي تستهدف المدنيين الأبرياء حرام في الإسلام."

2.  "حرام على كل مسلم أن يتعاون مع أي فرد أو مجموعة متورطة في أعمال إرهابية وإجرامية".

3.  "الواجب الوطني والشرعي يحتـِّم على المسلمين التعاون مع الجهات الحكومية لحماية أرواح جميع المدنيين."

 

وقد شارك في مؤتمر إعلان الفتوى ممثلون عن منظمات مسلمة أمريكية كبرى من بينها مجلس الفقه الإسلامي في أمريكا الشمالية، ومجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية (كير)، والجمعية الإسلامية الأمريكية (MAS)، واتحاد الطلبة المسلمين في أمريكا، والإتحاد الإسلامي في أمريكا الشمالية (إسنا)، ومجلس الشئون العامة الإسلامية (MPAC).

 

أيها المسلمون، إن ديننا الإسلامي العظيم يحرص كل الحرص في المحافظة على دماء المواطنين، وأن الدماء يجب أن تكون مُصَانة كصيانة الأموال والأعراض أيضًا، فلا يُفسِح ديننا الحنيف مجالاً لسفك الدماء؛ لأن في ذلك مفسدة للمجتمع واضطرابًا في الأمن، ومثارة للفتنة وتأجيجاً للعداوات بين الأمم والشعوب والحضارات التي سعى الإسلام حثيثاً لتحقيق تعايشها ، ودعى إلى إعتراف كل ملة بسواها من الملل وجعل الحوار البعيد عن العنف أساس العلاقة على قاعدة "وجادلهم بالتي هي أحسن".

 

فكما أننا نطالب الغرب بالتفريق بين المعتدي والبريئ المسالم من المسلمين ، وعدم أخذ أحد بجريرة الآخر، فإننا كمسلين يجب علينا أن نقف في وجه كل مسلم يحاول النيل من أرواح المدنيين من الأطفال والنساء والشيوخ من عامة الشعب على إختلاف أعراقه وملله من خلال حصد أرواحهم وتيتيم أطفالهم وإدخال الحسرة والألم إلى قلوب عائلاتهم ومعارفهم بدعوى معاناة الكثير من المسلمين في كثير من بقاع المعمورة ، ليتناقض بشكل صارخ مع أبسط مبادئ الإسلام التي نص عليها القرآن الكريم في عدّة مواضع في آيات صريحة الدلالة ، ففي سورة الأنعام آية 164 " ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون" وكذلك بيَّن قدوتنا رسول الله (ص) في كثير من المواقف بما لا يدع مجالاً للشك أن غاية المسلم هي المحافظة علي أرواح وتجنب الولوغ في دمائهم ، فأهل مكة الذين وقفوا خلف كبراءهم مناصبينه ورسالته العداء منذ اللحظة الأولى لبعثته (ص) وإلى أن أظهره الله عليهم فقتل من قتل من أصحابه بل ترصدوه (ص) بالقتل في أكثر من موضع ، رغم كل ذلك فقد مشدد أوامره يوم الفتح على كل من معه ألا تراق الدماء ، وعنف خالد بن الوليد وتبرأ من فعلته لدخوله في إشتباك أدى إلى القتل وإسالة الدماء ، كذلك نهى القرآن الكريم المسلمين عن المعاملة بالمثل في حادثة التمثيل بجثث الشهداء في واقعة أحد ، وذلك لأن منطق العدل الإلهي يرفض الرد على الجريمة بجريمة مثلها.

بناءاً على ما تقدم يتبين أن هذه الإعتداءات البشعة على الأرواح البريئة لا يمكن تبريرها لا شرعا ولا عقلاً ، بل تمثل إعتداءاً صارخاً على الشريعة الإسلامية السمحة ، وتشويهاً مشيناً لتاريخ إسلامي ناصع من التسامح والتعالي علي نزوعة حب الإنتقام ، والتسامي عن مقابلة السلوك المشين بمثله ، وبنا في سلوك صلاح الدين الإيوبي إبان الحروب الصليبية حين عالج المصابين من جنود الفرنجة وردهم ومن تبع جبشهم من القسيسين إلى بلادهم ، وجيشهم هو الذي قتل سبعين من المسلمين ألفاً يوم إحتل مدينة القدس.

لذا وجب على كل مسلم أن ينهض مدافعاً عن مبادئ و تاريخ وسمعة دينه من التلطخ يجرائم إبادة بحق مدنيين آمنين عُزَّل ، لأن الوقوف موقف المتفرِّج يعني المشاركة في الجريمة ، فمن "غاب عن معصية ولم ينكرها كان كمن حضرها"

ولقوله (ص): "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان".

لقد كرّس المسلمون المقيمون في الغرب في لسنوات طويلة خلت جهودهم في بناء جسور التفاهم وبناء الثقة مع المجتمعات التي إحتضنتهم وحمتهم ووفرت لهم الأمن والعيش الكريم ، وبذلوا الكثير من الجهود والأوقات والأموال لتصحيح صورة دينهم و لشرح قضايا أمتهم ، وكان لدورهم هذا أثرا ملموساً ، وحققوا نجاحات لم تخف على أحد ، تشهد عليها أعداد الداخلين في دين الله ، حتى فاجأتهم إعتداءات 11 سبتمبر ومن بعدها مدريد ولندن ، لتهدد مكتسباته عبر عشرات السنين بالضياع ، بل وتهدد وجودهم في بلاد الغرب بالزوال إذا تواصل مسلسل الإعتداءات ، لذا من واجب كل مسلم منّا أن يهب للتعبير عن غضبه وإشمئزازه من هذه الأفعال الوحشية ، دفاعاً عن ومجتمعه الذي إختار العيش فيه وعن مكتسباته ووجوده ومستقبل أبنائه.

 

                                                                                محمد مصطفى أبو القمصان


Copyright © 2005 Webmaster Nicht im Namen des Islam
www.nindi.de  übernimmt KEINE Verantwortung für externe Seiten